ابن عربي
281
الفتوحات المكية
الزمان المستقبل في تعليق الإرادة والإرادة واحدة العين فانتقل حكمها من ترجيح بقاء الممكن في شيئية ثبوته إلى حكمها بترجيح ظهوره في شيئية وجوده فهذه حركة إلهية قدسية منزهة أعطتها حقيقة الإمكان التي هي حقيقة الممكن فلما خلق الله المخلوق الممكن المنعوت بالإرادة والقدرة على ظهور الأفعال منه بحكم النيابة عن الله في ظاهر الأمر لا في باطنه فهو سبحانه في الباطن مظهر الممكن في شيئية وجوده من خلف حجاب الظاهر المريد القادر الذي هو المخلوق الذي له هذه الصفة فهو يد الله المريد بإرادة الله فيفعل بالهمة كقوله كن ويفعل بالمباشرة كخلقه آدم بيديه وجميع ما أضافه إلى خلق يده سبحانه فيقال في الحق مع هذه النسبة من غير مباشرة وهي في العبد مباشرة فإن وقعت من غير مريد لها فما هو مطلوبنا ولا تكلمنا فيه وإنما ذلك له سبحانه أظهره في هذا المحل الخاص كحركة المرتعش وكل ما صدر عن غير إرادة فما هو نائب صاحب هذه الصفة فالنائب يطلعه الله في قلبه على ما يريد الحق إيجاد عينه من الممكنات وهو على ضربين في اطلاعه فتارة يكون عن نظر وفكر فينوب بنظره وفكره عن الله المدبر المفصل من حيث إنه يدبر الأمر يفصل الآيات وتارة يخطر له بديهيا ما يلقيه الله في باطنه كما يعطي العلم الإلهي الإرادة الإلهية التعلق بإيجاد أمر ما من غير حكم الاسم المدبر المفصل فيظهر هذا الممكن على يد هذا المخلوق الذي هو مريد له وهو النائب بالوجهين التدبير والبديهة فقد حصل لهذا النائب اطلاع على حضرة أعيان الممكنات في شيئية ثبوتها في النائب في حضرة خياله وذلك أن الله أخرج هذا الممكن من شيئية ثبوته إلى شيئية وجوده في حضرة خيال ليقع الفرق بين الله وبين النائب في ظهور هذه العين المطلوب وجودها في عالم الحس فتتصف هذه العين بأنها محسوسة إن كانت صورة وإن لم تكن صورة يدركها البصر وتكون معنى فيلبسها صورة العبارات عنها أو صورة ما يدل عليها من إيماء أو إشارة فتلك صورتها التي يمكن أن تظهر لعين الرائي فيها أو السامع أو ما كان فالنائب على الحقيقة إنما أخرج بالإرادة ما أخرج من وجود خيالي متوهم أو معقول إلى وجود حسي مقيد بصورة عينية أو لفظية أو ما كان وتعلق بهذا الوجود البصر من الرائي إن كان في صورة عين وإن كان في صورة لفظ وأشباهه فيدركه بسمع فيضاف مثل هذا الوجود والإيجاد إلى النائب ولكن لا بد من شرط الإرادة والاختيار في ذلك فإن تعرى عنهما فليس من بنائب ولو ظهر ذلك منه وعليه بل ذلك لله تعالى وأما وجود ما لا ينقال فليس للنائب فيه دخول البتة فإن ذلك من خصائص الحق فتفهم ما بيناه لك فإنه من لباب المعرفة وأما النيابة الرابعة فهي نيابته فيما نصبه الحق له مما لو لم يكن عنه لكان ذلك عن الله تعالى فاعلم أن الله تعالى لما أراد أن يعرف فلا بد أن ينصب دليلا على معرفته ولا بد أن يكون الدليل مساويا له تعالى في العلم به من حيث هو أمر موجود وأن يكون عالما بنفسه من حيث ما هو موصوف بصفة تسمى العلم وعالم بنفسه بما هو يرى نفسه وتسمى مكاشفة أو مشاهدة وهذا من كونه ذا بصر فإن الله وصف نفسه بأن له بصرا كما وصف نفسه بأن له علما قال تعالى أنزله بعلمه وفي الخبر الإلهي ما قاله لموسى وهارون إنني معكما أسمع وأرى وورد في حديث الحجب وهو صحيح ما أدركه بصره من خلقه فلما نصب الدلالة عليه نصبها في الآفاق فدلت آيات الآفاق على وجوده خاصة فما نابت الآفاق في الدلالة عليه بما جعل فيها من الآيات منا به لو ظهر للعالم بذاته فخلق الإنسان الكامل على صورته ونصبه دليلا على نفسه لمن أراد أن يعرفه بطريق المشاهدة لا بطريق الفكر الذي هو طريق الرؤية في آيات الآفاق وهو قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق ثم لم يكتف بالتعريف حتى أحال على الإنسان الكامل حتى قال وفي أنفسهم وهنا قال حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك إشارة إلى ما خلق عليه الإنسان الكامل الذي نصبه دليلا أقرب على العلم من طريق الكشف والشهود فقال أهل الشهود كفانا ألم تر إلى ربك كيف مد الظل فذكر الكيف والظل لا يخرج إلا على صورة من مده منه فخلقه رحمة فمد الظل رحمة واقية فلا مخلوق أعظم رحمة من الإنسان الكامل ولا أحد من المخلوقين أشد بطشا وانتقاما من الإنسان الحيواني فالإنسان الكامل وإن بطش وكان ذا بطش شديد فالإنسان الحيواني أشد بطشا منه ولذلك قال أبو يزيد بطشي أشد منه من حيث نفسه الحيوانية لأنه يبطش بما لم يخلق فلا رحمة له فيه والحق يبطش بمن خلق فالرحمة مندرجة في بطشه حيث كان فإن